تثير أحدث الدفعات من ملفات جيفري إبستين صدمة واسعة على الساحة الدولية، وتكشف اتساع شبكة العلاقات التي ربطت رجل الأعمال المدان بجرائم الاتجار الجنسي بنخب سياسية واقتصادية وثقافية حول العالم.

 

يعرض تقرير تحليلي صورة قاتمة لمفارقة لافتة: دول عدة تفتح تحقيقات وتسجل استقالات واعتقالات، فيما تبدو الولايات المتحدة، تحت قيادة دونالد ترامب، أقل اكتراثاً بمحاسبة المتورطين أو توسيع نطاق المساءلة.


تشير مجلة رولينج ستون إلى أن تداعيات الفضيحة تجاوزت حدود الفضيحة الأخلاقية، وأصبحت اختباراً حقيقياً لسلامة أنظمة العدالة. تكشف المقارنة بين ردود الفعل الدولية والموقف الأميركي فجوة عميقة في كيفية التعامل مع جرائم النخب، وتطرح أسئلة جوهرية حول تآكل الثقة في النظام القضائي الأميركي في عهد ترامب.


تجاهل رسمي وحماية سياسية داخل واشنطن


يفتح التقرير على مشهد أميركي مثير للقلق. رغم أن القضية تُعد من أخطر فضائح الجرائم الجنسية في تاريخ الولايات المتحدة، يواصل مسؤولون بارزون مرتبطون بإدارة ترامب الإفلات من المساءلة. يبرز اسم ترامب نفسه بوصفه صديقاً قديماً لإبستين، وتذكر الوثائق اسمه مرات عديدة، ومع ذلك يبتعد عن دائرة المحاسبة، بينما يوفر له النظام السياسي والقضائي مظلة حماية واضحة.


تعمق جلسات الاستماع في الكونجرس هذا الانطباع. تواجه المدعية العامة بام بوندي انتقادات حادة بعد رفضها الاعتراف بناجين حضروا الجلسة، وامتناعها عن الإجابة عن أسئلة تتعلق بعدم فتح تحقيقات مع متورطين محتملين، وسوء التعامل مع بيانات حساسة تخص الضحايا. في الوقت ذاته، يتجاهل البيت الأبيض تساؤلات حول علاقات وزير التجارة هوارد لوتنيك بإبستين، ويؤكد دعمه الكامل له رغم تضارب التصريحات حول طبيعة تلك العلاقات. يعكس هذا السلوك، بحسب التقرير، نمطاً متكرراً من التقليل من شأن القضية، واعتبارها «خدعة» أو أمراً ثانوياً لا يستحق المتابعة.


محاسبة دولية وارتدادات سياسية واسعة


على النقيض، تشهد الساحة الدولية موجة من التداعيات السياسية والقانونية. في المملكة المتحدة، تعتقل السلطات الأمير السابق أندرو ماونتباتن-ويندسور للاشتباه في «سوء السلوك في المنصب العام»، على خلفية شبهات تتعلق بتسريب وثائق حكومية لإبستين خلال عمله مبعوثاً تجارياً. يؤكد الملك تشارلز الثالث دعمه الكامل لإجراءات التحقيق، ويشدد على أن القانون يجب أن يأخذ مجراه.


يتسع نطاق الأزمة داخل بريطانيا ليطال رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة بسبب علاقته ببيتر ماندلسون، بعد تسريبات ورسائل تثير تساؤلات حول علمه بعلاقات ماندلسون بإبستين. تدفع الفضيحة مسؤولين كباراً إلى الاستقالة، وتفتح الباب أمام تحقيقات جنائية محتملة.


ولا تقف التداعيات عند هذا الحد. في النرويج، تواجه الأميرة ميت-ماريت انتقادات بعد الكشف عن استعارتها أحد عقارات إبستين، ويُوجَّه اتهام بالفساد إلى رئيس وزراء سابق عقب رفع الحصانة عنه. في فرنسا، يستقيل وزير ثقافة سابق من منصبه الثقافي الرفيع، وفي سلوفاكيا والسويد وبولندا وليتوانيا تنطلق تحقيقات واستقالات على خلفية الاشتباه في صلات أو زيارات مرتبطة بإبستين. كما تشهد الإمارات استقالة رجل أعمال بارز بعد ورود اسمه في سياق ملفات خضعت للتنقيح.


عدالة مزدوجة ومستقبل الثقة العامة


يبرز التقرير التناقض الصارخ بين ما يحدث خارج الولايات المتحدة وما يجري داخلها. بينما تتحرك دول عدة لاستئصال أثر الفضيحة من مؤسساتها العامة، ترفض وزارة العدل الأميركية توسيع التحقيقات أو ملاحقة شركاء محتملين في شبكة إبستين. يلاحظ التقرير أن شخصيات نافذة، من سياسيين ورجال أعمال ومليارديرات في مجالات التكنولوجيا والمال، تواصل العمل دون مساءلة تُذكر، في ظل إصرار الإدارة على طي الصفحة.


يخلص التحليل إلى أن هذه الازدواجية لا تمس سمعة الولايات المتحدة فحسب، بل تهدد الثقة العامة في نموذج عدالة طالما قدّم نفسه معياراً عالمياً. فبينما يرى العالم دولاً تحاسب نخبها، يقف الأميركيون متفرجين على تآكل منظومة يفترض أن تحمي الضحايا وتفرض القانون على الجميع بلا استثناء. في هذا السياق، لا تبدو فضيحة إبستين مجرد قضية جنائية، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في مفهوم المساءلة والعدالة في زمن السياسة الحادة.

.

https://www.rollingstone.com/politics/politics-news/trump-government-blows-off-epstein-scandal-1235516468/